عماد الدين خليل
56
دراسة في السيرة
أمره ، ويتامرون ضده ، ويحضّ بعضهم بعضا عليه . ثم ارتأوا أن يقابلوا أبا طالب مرة أخرى وقالوا : يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك ، فلم تنهه عنا ، وإنا واللّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين . فبعث أبو طالب إلى ابن أخيه وقال له : يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا ، فابق عليّ وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق « 1 » . ظن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن عمه قد ضعف عن نصرته ، وأنه ربما خذله وأسلمه لأعدائه فقال : « يا عم ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه » فما كان جواب عمه إلا أن قال : « اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو اللّه لا أسلمك لشيء أبدا » « 2 » . وعندما أدركت قريش إصرار أبي طالب على حماية ابن أخيه ، ساروا إليه ثالثة ، ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وقالوا : يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه واتخذه ولدا ، فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك وسفّه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل . فأجابهم أبو طالب : واللّه لبئس ما تسومونني ، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ هذا واللّه ما لا يكون أبدا « 3 » . ويورد ابن سعد رواية لا نجدها في المصادر الآخرى ، ولا ندري مدى صحتها ، تشير إلى محاولة مبكرة من زعماء قريش لاغتيال الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وكيف أنهم بعد فشل مفاوضاتهم مع أبي طالب وعجزهم عن إغراء الرسول صلى اللّه عليه وسلم قالوا : « ما خير من أن يغتال محمد » . فلما كان مساء تلك الليلة ، فقد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فبحث عنه أبو طالب فلم يجده فظن أنه قد أصيب بمكروه ، فجمع فتيانا من بني هاشم وبني المطلب وأمر كلا منهم أن يحمل حديدة صارمة لقتال زعماء القوم إذا ثبت قتلهم لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . إلا أن أبا طالب سرعان ما أبلغ أن محمدا يجلس الآن في داره بالصفا بمنأى عن الشر . وفي اليوم التالي صحب أبو طالب ابن أخيه إلى
--> ( 1 ) ابن هشام ص 55 - 56 ، الطبري 2 / 323 . ( 2 ) ابن هشام ص 65 ، الطبري : تاريخ 2 / 326 ، ابن الأثير 2 / 64 . ( 3 ) ابن هشام ص 56 - 57 ، الطبري 2 / 326 - 327 ، ابن سعد 1 / 1 / 134 - 135 ، ابن الأثير : الكامل : 2 / 64 - 65 .